إذا تَمَنَّيتُ بِتُّ الليـلَ مُغْتـَبِطَاً
إن المُنَى رأس أموالِ المفاليسِن
تذكرت هذا البيت وأنا أحادث رجلاً من معارفي شغلته نفسُه بطلب المُحال والبحث عما لا يُنَال ؛ فقد أخبره بعض الأفاقين أن منزله يحتوي على كنز من كنوز القدماء هذا أوان استخراجه ، ومنذ ذلك الحين وهو دائب البحث والتنقيب عن الكنز المزعوم ... أهمل عمله وتجارته وخسر في سنة واحدة ما جمعه في سنين ... وما زال يتمنى !
وصدق أبو تمام حين قال :
من كان مَرعَى عَزْمِهِ وهُمُومِهِ
روضُ الأماني لم يزل مهزولا
أعجب ما في النفس الإنسانية خيالها وأحلامها وأمانيها ، فلا تكاد تجد إنساناً لم يتمن المُحال ، أو لم تهفُ نفسه إلى المستحيل ... أعرف العشرات من الشباب تخيلوا أنهم سيصبحون يوماً ما رؤساءً وحكاماً ؛ ليصلحوا الكون ويفتحوا العالم ، واكتشفت بعد ذلك أن هؤلاء العشرات الذين أعرفهم يعرفون مئاتٍ أمثالهم تخيلوا أنهم سيصبحون يوماً ما رؤساء وحكاماً ، والمئات لا بد أنهم يعرفون الآلاف ، والآلاف يعرفون الملايين ...فإذا أصبح كل هؤلاء حكاماً فأين الشعوب ؟!
يقال أن الأماني من لذائذ الدنيا ... وهذا صحيح ؛ فهي تُهَوِّن على صاحبها وعثاء الحياة ، وتخلق له العالم المشتهى ، وتجوب به الأرض والسماء ؛ فتحقق له الأحلام التي يعرف أنها لن تتحقق ؛ ليعيش بها عالماً متخيلاً جميلاً ينعم فيه بالراحة والسعادة :
مُنى إن تكن حقاً تكن أعذب المنى
وإلا فقـد عشنا بهـا زمنـاً رغدا
وهو في أحلامه لا يخسر ولا يتراجع ولا يفشل ولا يأتي ثانياً أبداً ؛ فهو الفنان المشهور، والقائد المنتصر ، والملك العظيم ، والمخترع العبقري ، والشاعر المبدع ، والسياسي الداهية ، والتاجر الثري :
كُـلُّ غَـادٍ لحاجةٍ يَتَمَنَّى
أن يكون الغِضَنْفَرَ الرئْبَالا
ولهذا كان "امرؤ القيس" صادقاً في جوابه على سؤال "عبيد بن الأبرص" في مناظرتهما الشعرية الشهيرة ـ إن ثبتت تاريخياً ـ عندما سأله عبيد:
ما القاطعات لأرض الجو في طَلَقٍ
قبـل الصباح وما يسوين قرطاسا
فقال :
تلك الأمانيّ يتركن الفتى ملكاً
دون السماء ولم ترفع له رأسا
وزعموا ( وما أكثر ما يزعمون) أن "الحجاج" مَرّ ليلة بدكان لَبّان أمامه جرة لبن كبيرة ، فسمعه يتمنى ويقول : سأبيع هذه الجرة بكذا وأكسب كذا ، ثم أشتري بالمكسب غنماً ، وتكثر الغنم حتى أستبدلها بإبل ، ثم تتناسل الإبل ؛ فأبيعها ؛ فيكثر مالي ، وأشتري منزلاً ، وأستخدم خدماً ، ثم أخطب إلى الحجاج ابنته فأتزوجها ؛ فإذا أغضبتني رفستها برجلي هكذا (ورفس برجله فأصاب الجرة فكسرها وسال اللبن) فدخل الحجاج عليه وضربه عشرين سوطاً وهو يقول : أليس لو رفست ابنتي فجعتني بها .
وقَالَ خَالِدُ بْنُ صَفْوَانَ: بِتُّ لَيْلَتِي أَتَمَنَّى فَكَسَبْتُ الْبَحْرَ الأخْضَرَ وَالذَّهَبَ الأحْمَرَ، فَإِذَا يَكْفِينِي مِنْ ذَلِكَ رَغِيفَانِ وَكُوزَانِ وَطِمْرَانِ.
ورُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: الأمَلُ رَحْمَةٌ مِنْ اللَّهِ لِأُمَّتِي، وَلَوْلاَهُ لَمَا غَرَسَ غَارِسٌ شَجَرًا وَلاَ أَرْضَعَتْ أُمٌّ وَلَدًا.
قال الطغرائي في لامية العجم :
أُعلل النـفس بالآمـال أَرْقُبُـهَا
ما أضيق العيش لولا فُسحةُ الأملِ
... حين نظرت إلى الأمر وجدت أن الله جلت قدرته خلق النفس الإنسانية وأسكنها أول ما أسكنها في جنته ، وجعل جوهرها تابعاً لجوهر الجنة حيث الخيال حقيقة ، والأماني واقعاً ، وحين أخرجها من الجنة ترك معها خيالها وأمانيها حتى إذا تخيلت ولم تستطع تحقيق خيالها اشتاقت إلى موطنها الأصلي فعملت له لتعود إليه ؛ ولذلك فليس عليك أن تسخر من أشد أحلامك جنوناً فهذه الأحلام متسقة مع بيئتك الأصلية التي خُلقت لها وفيها . ولكنك إن توقفت عند أحلامك ولم تسع إلى تحقيقها تحول الحلم داخلك إلى وهم كبير تصبح معه كصاحب الكنز الذي أفنى عمره في الترهات ، أو كاللبَّان الذي كسر رأس ماله ..
الحلم قابل للتحقيق أما الوهم فهو أعاليل بأباطيل يصلح لأن نقضي به ليلة صيفية مقمرة .
جاهد لتحقيق أحلامك حتى لو بدا لك تحقيقها مستحيلاً ، واعلم أن أحلام العظماء قبلك كانت ضرباً من الخيال إلى أن أصبحت واقعاً معاشاً حين صمموا على تحقيقها ..
من كان يظن أن ثلة قليلة من أمة أُمْيَّةٍ لا تاريخ لها ولا حضارة تفتح العالم في عشرين سنة ، وتقضي على القوتين العظميين آنذاك (فارس والروم) ..
ومن كان يظن أن السفن تجري على الرمال قبل أن يُجريها (محمد الفاتح) حين فتح القسطنطينية ..
ومن كان يظن أن البشر سيخترعون (الهاتف) لنكلم به الدنيا ، و(التلفاز) لنرى فيه الدنيا و(الانترنت) لنتواصل به مع الدنيا ..
بل انظر في حجرتك التي تجلس فيها الآن لتكتشف أن أغلب محتوياتها كان منذ مائة سنة ضرباً من الجنون لا يُمكن تخيله ... وهذا هو الفرق بين العباقرة وآحاد الناس ؛ إنهم يؤمنون بما لم يَرَوا لأنهم يحلمون به ..
يقول لنكولن: " أن تؤمن بالأشياء التي تستطيع أن تراها وتلمسها لا يمثل أي إيمان مطلقاً ، ولكن أن تؤمن بالأشياء التي لا تراها فهو نعمة ونصر" .
ثم دع عنك تثبيط المُثَبِطِين وسخرية الساخرين ورفض الرافضين ، ولا تخف من التمسك برأيك لأن كل الآراء المقبولة اليوم كانت مرفوضة بالأمس ، واعلم أيضاً أن الأعمال العظيمة تتحقق في عقول أصحابها قبل أن تتحقق في الواقع ، وهذا ما قصده الفنان العالمي (فان جوخ) حين سُئِل عن لوحة رائعة من لوحاته : كيف رسمها ، فقال : "لقد حلمت بلوحتي ثم رسمت حلمي" .
فما عليك سوى أن تحلم ثم ترسم حلمك ، واعلم أن كنزك في عقلك فابحث عنه .


]