-» صناعة الفشل

-» تطوير الذات

-» صناعة الفشل

:: منتديات عرعر كول ::

لن تجد صناعةً رائجة بين الشباب هذه الأيام كصناعة الفشل ، فالكثير منهم يتقنها ويتفنن فيها ، ويُحسن ترويجها بين لداته وأقرانه .. وهم وإن كانوا لا يجدون ما يعملون إلا أنهم يرتاحون إلى قناعاتهم المريضة عن حظهم التعس ، وأقدارهم المشؤومة ، ودنياهم الظالمة ...

يجلس أحدهم على المقهى وحوله (شِلَّةٌ) تشبهه ، ثم يبدأ اجترار ماضيه الفاشل الذي لا يمل تكراره :
لقد سعيتُ كثيراً وطرقتُ جميع الأبواب ... حاولت أن ألتحق بوظيفة حكومية ولكني فشلت لأني لا أملك واسطة ... ذهبت إلى القطاع الخاص فلم يكن أحسن حالاً من الوظائف الحكومية لأن مرتباتهم لا تكفي ثمن (سجائري) ، وهم مع هذا يطلبون مني (دواماً) يأكل شطر نهاري وجزءاً من ليلي ... أما المشاريع التجارية فَحدِّث ولا حرج ... لقد أضعت كثيراً من المال الذي استدنته على هذه المشاريع ، وجريت وراء وهم الثراء والتجارة حتى خسرت كل شئ ... عندما تتاجر لابد أن تبدأ كبيراً حتى تظل كبيراً ، أما أن تقنع بما يقنع به الحالمون الذين يريدون صعود السلم من أوله ، أو يتفلسفون على الناس ويقولون : طريق الألف ميل يبدأ بخطوة ، فهذا جنون .... سيضيع عمرك هباءً ولن تجد من يلتفت إليك ، بينما غيرك يتقلب في مباهج الدنيا ومتع الحياة ... انظروا إلى صديقنا (فلان) هل مؤهلاته تمكنه من الالتحاق بتلك الوظيفة التي التحق بها ؟؟ أبداً ... ولكن للواسطة سحر سريع المفعول ... وصديقنا (فلان) الذي يملك سيارة (آخر موديل) هل اشتراها بكده وجهده ؟؟ أبداً ... إنما السعيد من يخرج للدنيا ليجد أبا غنياً وعائلة ميسورة ... وصاحبنا (فلان) الذي لم يعد يجلس معنا لأنه ـ كما يدَّعِي ـ يدير مشروعاً تجارياً ضخماً ، من أين هبطت عليه هذه النعمة ؟ ما الذي يملكه هو ولا نملكه نحن ؟ ... لقد كان (أكسل) تلميذٍ في مدرستنا فمن أين أتاه هذا العقل وهذه الحكمة ؟ ... الذي أعرفه أن هذه الدنيا لا ينجح فيها إلا الأغنياء والأدعياء وأصحاب السلطة والنفوذ .... إنها لا تمنح غيرهم ولا تبتسم لسواهم ولا تشيح بوجهها إلا عن التعساء أمثالنا.... ثم يرشف رشفةً من فنجانه ، ويسحب نفساً عميقاً من (سيجارته) ، ويُقنع نفسه أنه بهذا قد أدى ما عليه وعلى الحظ والظروف أن تتكفل بالباقي .
هذا الشاب ـ وأمثاله كثيرـ لم ير من الواقع غير النقاط السوداء العالقة بالثوب الأبيض ... ولو افترضنا ـ جدلاً ـ أن غالبية الثوب مجللة بالسواد فهل معنى هذا أن نحرق الثوب كله ، ونكون كالذي (يحرق اللحاف من أجل برغوث) كما يقول المثل العامي ... صاحبنا هذا يريد أن يحرق الثوب ويحرق نفسه ويحرق من حوله ... ما الذي سيستفيده من اجترار ماضيه الفاشل والبكاء على نفسه ، وجلوسه في المقاهي ، وتسكعه في الشوارع ، ما الذي أضافه إلى رصيده العلمي أو المالي ، إنه على عجلة من أمره دائما ... يحلم ليلاً ويريد تحقيق حلمه صباحاً ، فإذا لم يتحقق فإن الواقع سيئ ، والثوب أسود ، والدنيا ليست للعباقرة . وهذه طفولة عقلية نتجت عن جهل شديد بطبيعة الحياة وسنن الله الكونية ؛ فكل شيئ له وقته ومجاله وترتيباته وأسبابه التي لا بد من الأخذ بها :
ألـم تـَـر أن اللهَ أوحــى لمريمٍ
فهزي إليك الجـذع يسـاقط الرطب
ولو شاء أدنى الجذع مـن غير هزة
إليـها ، ولكن كـل شـيء له سبب
ثم لنفترض أنه أخذ بالأسباب ، ورمى نفسه في غمار تجربة ففشل فيها ما الذي سيحدث ؟ أغلب الظن أنه سيجلس في بيته يندب حظه ، ويلعن ظروفه ... وكأنه لم يعلم أن (توماس أديسون) أجرى ألف تجربة فاشلة قبل أن يتوصل للتجربة الأخيرة الناجحة في اختراع المصباح الكهربائي ، وأن (هنري فورد) أصيب بالإفلاس خمس مرات قبل أن ينجح في اختراع سيارته ، وأن (ابراهام لنكولن) فشل في عمله مرتين وفشل في الانتخابات ست مرات قبل أن يصبح رئيساً لأمريكا وهو في الستين من عمره ليقول بعد هذا المشوار الطويل: ( إنك لن تفشل إلا إذا انسحبت )
إن مفاتيح النجاح أكثر من أن تحصى ولكني لم أجد أجدى في الوصول إلى النجاح من (الصبر والإصرار والدافع ).... هذه المفاتيح الثلاثة كفيلة بإيصال صاحبها إلى ما يريد ... يُروى أن شاباً صينياً سأل حكيماً من حكماء قومه عن مفتاح النجاح فأحضر الحكيم إناءً فيه ماء وأمر الشاب أن ينظر فيه ، وحين قرَّب الشابُ وجهه من الإناء أطبق الحكيم على رأسه بكل قوته وغمرها في الماء . حاول الشاب رفع رأسه ليتنفس ، ولكن الحكيم كان قد تمكن منه ... وحين أحس بالغرق استجمع قواه ورفع رأسه فرمى الحكيمَ بعيداً ... استغرب الشاب من هذا التصرف فقال له الحكيم : هل رأيت مدى حاجتك للهواء ؟ قال الشاب : نعم ، فقال الحكيم : هكذا النجاح لا بد أن تطلبه كطلبك للهواء .
لقد حاول الشاب مراراً أن يتخلص من قبضة الحكيم القوية ولكنه لم ينجح إلا بعد أن أحس بالغرق ... هذا هو الدافع ... نجح الشاب عندما انطلقت قواه الخفية معتمدة على دوافعه القوية ... وهذا ما عناه سقراط بقوله : ( إذا وصلت رغبتك في الحصول على الحكمة درجة رغبتك في الحصول على الحياة لحظة الغرق ستحصل على الحكمة) .
لقد تعرض عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان لأبشع ما يمكن أن يتعرض له إنسان في الوجود ... شاب نشأ في بيت النعمة والشرف والملك والرياسة ، حكمت أسرته الأموية الأرض من إسبانيا غرباً إلى الصين شرقاً ، وجابت جيوشها الدنيا مخضعة الملوك والأباطرة والسلاطين ، وما هي إلا غمضة عين حتى انقلب كل شئ ؛ فانهارت الدولة ، وغاضت النعمة ، وزال السلطان ، ووُضِع السيف في رقاب رجالات الأسرة حتى لم يبق فيهم من يُخاف خطره ، وفَرَّ الشاب عبد الرحمن ـ ربيب النعمة ـ من الشام إلى مصر ثم من مصر إلى المغرب ثم من المغرب إلى الأندلس ، ملاقيًاً في رحلته الأهوال ـ التي تحولت في نفسه إلى دوافع ـ ... الخوف والجوع وزوال النعمة.. فأقام بدوافعه وصبره وإصراره أعظم خلافة أموية إسلامية في الأندلس أنارت ظلمات الغرب في عصر الظلمات . والغريب في الأمر أن هذه الدولة قامت بإصرار رجل وزالت بإصرار امرأة ؛ فها هي (إيزابيلا) ملكة (قشتالة) تُقسم بعد عدة قرون أنها لن تخلع قميصها الداخلي إلا بعد أن تطرد المسلمين من الأندلس... ويبقى قميصها عليها ثلاثين سنة حتى تم لها ما أرادت ، وكان ذلك بعد أن نخرت أمراض الضعف والتحلل والفساد والفرقة والرفاهية والخيانة في جسد الدولة التي بناها عبد الرحمن الداخل بالصبر والإصرار والعزم والقوة .
إن النجاح لا يعني حصانة ضد الفشل وكذلك الفشل لا يعني استحالة النجاح بل إن البعض ليرى أنه ليس هناك فشل في الحياة ولكن خبرات مكتسبة من تجارب سابقة ؛ فالأعمال الصائبة تأتي بعد الخبرة المكتسبة من الأعمال الخاطئة ، وأنت لن تعرف الصواب حتى تقع في الخطأ ، وبضدها تتمايز الأشياء .
إن طريق النجاح لا يكون عادة مفروشًا بالورود والرياحين، والذين حققوا إنجازات باهرة في حياتهم، وخلد التاريخ أسماءهم كثيراً ما تجرعوا مرارة الإخفاق قبل أن يذوقوا حلاوة النجاح . وهذا ما صوره لنا ابن الجوزي رحمه الله في صيد الخاطر بحوار متخيل طريف بين الماء والزيت فهما كلما اختلطا في إناء ارتفع الزيت على سطح الماء فيقول الماء للزيت : أين الأدب معي ، لِمَ ترتفع عليَّ وأنا الذي أنْبَتُّ شجرتك ؟ فيرد الزيت : لأني صبرت على ألم العصر والطحن بينما أنت تجري في الأنهار في سلامة ودعة ، وبالصبر يرتفع القَدْر .
إن الذين يريدون الجلوس على المكاتب من العاشرة صباحا إلى الواحدة ظهراً ثم يذهبون إلى بيوتهم مقنعين أنفسهم أنهم كانوا في عمل حقيقي يستحقون عليه مرتباً ضخماً لن ينجحوا أبداً وإن بدا للناظر السطحي أنهم من الناجحين . أخبرني بعض الشباب المجدين الذين يبدأون عملهم بعد الفجر ويعودون قبيل منتصف الليل ـ وهو صاحب شركة مقاولات ناجحة ـ قال : (إن الله ليستحي من عبده أن يخرج صباحاً ويعود ليلاً ثم لا يرزقه ) .
هل تريد أن تكون مثل هذا الشاب المُجِدِّ الذي أنشأ شركة ناجحة بكده وتعبه وصبره أم تريد أن تكون مثل صاحبنا الأول تجلس على المقاهي تندب حظك وتلعن ظروفك وتصبح صفراً بين الأصفار ... اختر أنت

 
حكمة اليوم
ترتيب الموقع

 

أحوال الطقس
الاستفتاء
ماهو رأيك بشكل الموقع ؟
ممتاز
جيد
عادي
يحتاج لدعم
نتائج التصويت
الأحصائيات
عدد الزوار :141394
المتصلين حالياً : 2
عدد الأقسام : 17
عدد المواضيع : 107
عدد الاستفتاءات : 2
هاك الأهداءات
» [ مجنون محمد هثل الله يرجعه لك بالسلامة ان شالله يامحمد هثل وانا اتمنى ان الله يرجعك لي بالسلامة بعد ] » [ البرنس كيف الحال ان شاء الله بخير ] » [ روالغــــــــلاوح يسعد صباحكم بكل خير انا جديده هنا اتمنى تقبلوني ] » [ غادة احبك عبدالمجيد احبك احبك احبك احبك ] » [ محمد هثل اسلم على كل الناس واتمنى منكم انكم تدعون لي ان اغلى صديق عندي يرجعلي فهد ملفي تكفون ادعولي ] » [ خالد اسلم على الجميع ] » [ ابو خالد اهدي كل ماعندي الى اعز صديق عمري فهد ملفي واتمنى نرجع اصحاب زي اول ] » [ محمد هثل اهدي كل الاهدات الى اعز صديق عمري فهد ملفي واتمنى انى نرجع زي اول اصحاب يااارب ] » [ ابو نوف الحسني اهدا تحياتي واشواقي لجميع اهل عرعر ] » [ يـإخـٍہـٍِي أسـِئـِہٌِل. السسسلام عليكم يا حلوين الي متى والطفش في عرعر ومتى ننقل منها ونرتاح ]
أضف أهداء
آخر عشر مواضيع
الرئيسيهتطوير الذات -» صناعة الفشل الزيارات [408]

التقييم [ 1 تقييم ]
صناعة الفشل








لن تجد صناعةً رائجة بين الشباب هذه الأيام كصناعة الفشل ، فالكثير منهم يتقنها ويتفنن فيها ، ويُحسن ترويجها بين لداته وأقرانه .. وهم وإن كانوا لا يجدون ما يعملون إلا أنهم يرتاحون إلى قناعاتهم المريضة عن حظهم التعس ، وأقدارهم المشؤومة ، ودنياهم الظالمة ...


يجلس أحدهم على المقهى وحوله (شِلَّةٌ) تشبهه ، ثم يبدأ اجترار ماضيه الفاشل الذي لا يمل تكراره :
لقد سعيتُ كثيراً وطرقتُ جميع الأبواب ... حاولت أن ألتحق بوظيفة حكومية ولكني فشلت لأني لا أملك واسطة ... ذهبت إلى القطاع الخاص فلم يكن أحسن حالاً من الوظائف الحكومية لأن مرتباتهم لا تكفي ثمن (سجائري) ، وهم مع هذا يطلبون مني (دواماً) يأكل شطر نهاري وجزءاً من ليلي ... أما المشاريع التجارية فَحدِّث ولا حرج ... لقد أضعت كثيراً من المال الذي استدنته على هذه المشاريع ، وجريت وراء وهم الثراء والتجارة حتى خسرت كل شئ ... عندما تتاجر لابد أن تبدأ كبيراً حتى تظل كبيراً ، أما أن تقنع بما يقنع به الحالمون الذين يريدون صعود السلم من أوله ، أو يتفلسفون على الناس ويقولون : طريق الألف ميل يبدأ بخطوة ، فهذا جنون .... سيضيع عمرك هباءً ولن تجد من يلتفت إليك ، بينما غيرك يتقلب في مباهج الدنيا ومتع الحياة ... انظروا إلى صديقنا (فلان) هل مؤهلاته تمكنه من الالتحاق بتلك الوظيفة التي التحق بها ؟؟ أبداً ... ولكن للواسطة سحر سريع المفعول ... وصديقنا (فلان) الذي يملك سيارة (آخر موديل) هل اشتراها بكده وجهده ؟؟ أبداً ... إنما السعيد من يخرج للدنيا ليجد أبا غنياً وعائلة ميسورة ... وصاحبنا (فلان) الذي لم يعد يجلس معنا لأنه ـ كما يدَّعِي ـ يدير مشروعاً تجارياً ضخماً ، من أين هبطت عليه هذه النعمة ؟ ما الذي يملكه هو ولا نملكه نحن ؟ ... لقد كان (أكسل) تلميذٍ في مدرستنا فمن أين أتاه هذا العقل وهذه الحكمة ؟ ... الذي أعرفه أن هذه الدنيا لا ينجح فيها إلا الأغنياء والأدعياء وأصحاب السلطة والنفوذ .... إنها لا تمنح غيرهم ولا تبتسم لسواهم ولا تشيح بوجهها إلا عن التعساء أمثالنا.... ثم يرشف رشفةً من فنجانه ، ويسحب نفساً عميقاً من (سيجارته) ، ويُقنع نفسه أنه بهذا قد أدى ما عليه وعلى الحظ والظروف أن تتكفل بالباقي .
هذا الشاب ـ وأمثاله كثيرـ لم ير من الواقع غير النقاط السوداء العالقة بالثوب الأبيض ... ولو افترضنا ـ جدلاً ـ أن غالبية الثوب مجللة بالسواد فهل معنى هذا أن نحرق الثوب كله ، ونكون كالذي (يحرق اللحاف من أجل برغوث) كما يقول المثل العامي ... صاحبنا هذا يريد أن يحرق الثوب ويحرق نفسه ويحرق من حوله ... ما الذي سيستفيده من اجترار ماضيه الفاشل والبكاء على نفسه ، وجلوسه في المقاهي ، وتسكعه في الشوارع ، ما الذي أضافه إلى رصيده العلمي أو المالي ، إنه على عجلة من أمره دائما ... يحلم ليلاً ويريد تحقيق حلمه صباحاً ، فإذا لم يتحقق فإن الواقع سيئ ، والثوب أسود ، والدنيا ليست للعباقرة . وهذه طفولة عقلية نتجت عن جهل شديد بطبيعة الحياة وسنن الله الكونية ؛ فكل شيئ له وقته ومجاله وترتيباته وأسبابه التي لا بد من الأخذ بها :
ألـم تـَـر أن اللهَ أوحــى لمريمٍ
فهزي إليك الجـذع يسـاقط الرطب
ولو شاء أدنى الجذع مـن غير هزة
إليـها ، ولكن كـل شـيء له سبب
ثم لنفترض أنه أخذ بالأسباب ، ورمى نفسه في غمار تجربة ففشل فيها ما الذي سيحدث ؟ أغلب الظن أنه سيجلس في بيته يندب حظه ، ويلعن ظروفه ... وكأنه لم يعلم أن (توماس أديسون) أجرى ألف تجربة فاشلة قبل أن يتوصل للتجربة الأخيرة الناجحة في اختراع المصباح الكهربائي ، وأن (هنري فورد) أصيب بالإفلاس خمس مرات قبل أن ينجح في اختراع سيارته ، وأن (ابراهام لنكولن) فشل في عمله مرتين وفشل في الانتخابات ست مرات قبل أن يصبح رئيساً لأمريكا وهو في الستين من عمره ليقول بعد هذا المشوار الطويل: ( إنك لن تفشل إلا إذا انسحبت )
إن مفاتيح النجاح أكثر من أن تحصى ولكني لم أجد أجدى في الوصول إلى النجاح من (الصبر والإصرار والدافع ).... هذه المفاتيح الثلاثة كفيلة بإيصال صاحبها إلى ما يريد ... يُروى أن شاباً صينياً سأل حكيماً من حكماء قومه عن مفتاح النجاح فأحضر الحكيم إناءً فيه ماء وأمر الشاب أن ينظر فيه ، وحين قرَّب الشابُ وجهه من الإناء أطبق الحكيم على رأسه بكل قوته وغمرها في الماء . حاول الشاب رفع رأسه ليتنفس ، ولكن الحكيم كان قد تمكن منه ... وحين أحس بالغرق استجمع قواه ورفع رأسه فرمى الحكيمَ بعيداً ... استغرب الشاب من هذا التصرف فقال له الحكيم : هل رأيت مدى حاجتك للهواء ؟ قال الشاب : نعم ، فقال الحكيم : هكذا النجاح لا بد أن تطلبه كطلبك للهواء .
لقد حاول الشاب مراراً أن يتخلص من قبضة الحكيم القوية ولكنه لم ينجح إلا بعد أن أحس بالغرق ... هذا هو الدافع ... نجح الشاب عندما انطلقت قواه الخفية معتمدة على دوافعه القوية ... وهذا ما عناه سقراط بقوله : ( إذا وصلت رغبتك في الحصول على الحكمة درجة رغبتك في الحصول على الحياة لحظة الغرق ستحصل على الحكمة) .
لقد تعرض عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان لأبشع ما يمكن أن يتعرض له إنسان في الوجود ... شاب نشأ في بيت النعمة والشرف والملك والرياسة ، حكمت أسرته الأموية الأرض من إسبانيا غرباً إلى الصين شرقاً ، وجابت جيوشها الدنيا مخضعة الملوك والأباطرة والسلاطين ، وما هي إلا غمضة عين حتى انقلب كل شئ ؛ فانهارت الدولة ، وغاضت النعمة ، وزال السلطان ، ووُضِع السيف في رقاب رجالات الأسرة حتى لم يبق فيهم من يُخاف خطره ، وفَرَّ الشاب عبد الرحمن ـ ربيب النعمة ـ من الشام إلى مصر ثم من مصر إلى المغرب ثم من المغرب إلى الأندلس ، ملاقيًاً في رحلته الأهوال ـ التي تحولت في نفسه إلى دوافع ـ ... الخوف والجوع وزوال النعمة.. فأقام بدوافعه وصبره وإصراره أعظم خلافة أموية إسلامية في الأندلس أنارت ظلمات الغرب في عصر الظلمات . والغريب في الأمر أن هذه الدولة قامت بإصرار رجل وزالت بإصرار امرأة ؛ فها هي (إيزابيلا) ملكة (قشتالة) تُقسم بعد عدة قرون أنها لن تخلع قميصها الداخلي إلا بعد أن تطرد المسلمين من الأندلس... ويبقى قميصها عليها ثلاثين سنة حتى تم لها ما أرادت ، وكان ذلك بعد أن نخرت أمراض الضعف والتحلل والفساد والفرقة والرفاهية والخيانة في جسد الدولة التي بناها عبد الرحمن الداخل بالصبر والإصرار والعزم والقوة .
إن النجاح لا يعني حصانة ضد الفشل وكذلك الفشل لا يعني استحالة النجاح بل إن البعض ليرى أنه ليس هناك فشل في الحياة ولكن خبرات مكتسبة من تجارب سابقة ؛ فالأعمال الصائبة تأتي بعد الخبرة المكتسبة من الأعمال الخاطئة ، وأنت لن تعرف الصواب حتى تقع في الخطأ ، وبضدها تتمايز الأشياء .
إن طريق النجاح لا يكون عادة مفروشًا بالورود والرياحين، والذين حققوا إنجازات باهرة في حياتهم، وخلد التاريخ أسماءهم كثيراً ما تجرعوا مرارة الإخفاق قبل أن يذوقوا حلاوة النجاح . وهذا ما صوره لنا ابن الجوزي رحمه الله في صيد الخاطر بحوار متخيل طريف بين الماء والزيت فهما كلما اختلطا في إناء ارتفع الزيت على سطح الماء فيقول الماء للزيت : أين الأدب معي ، لِمَ ترتفع عليَّ وأنا الذي أنْبَتُّ شجرتك ؟ فيرد الزيت : لأني صبرت على ألم العصر والطحن بينما أنت تجري في الأنهار في سلامة ودعة ، وبالصبر يرتفع القَدْر .
إن الذين يريدون الجلوس على المكاتب من العاشرة صباحا إلى الواحدة ظهراً ثم يذهبون إلى بيوتهم مقنعين أنفسهم أنهم كانوا في عمل حقيقي يستحقون عليه مرتباً ضخماً لن ينجحوا أبداً وإن بدا للناظر السطحي أنهم من الناجحين . أخبرني بعض الشباب المجدين الذين يبدأون عملهم بعد الفجر ويعودون قبيل منتصف الليل ـ وهو صاحب شركة مقاولات ناجحة ـ قال : (إن الله ليستحي من عبده أن يخرج صباحاً ويعود ليلاً ثم لا يرزقه ) .
هل تريد أن تكون مثل هذا الشاب المُجِدِّ الذي أنشأ شركة ناجحة بكده وتعبه وصبره أم تريد أن تكون مثل صاحبنا الأول تجلس على المقاهي تندب حظك وتلعن ظروفك وتصبح صفراً بين الأصفار ... اختر أنت


التقييم : 1 | 2 | 3 | 4 |5
التعليقات
كلمات دليليه
صناعة الفشل
المنتدى

تسجيل الدخول للمنتدى

إسم المستخدم :

كلمة المرور :

تسجيل عضو جديد

أقسام تهمك
بيانات
.................................. .................................. نظام التشغيل لديك هو : .................................. نوع المستعرض لديك هو : .................................. رمز المستعرض لديك هو : ..................................... لغة المستعرض لديك هو :
ارقام الطواري

الأستفتاء
ماهي أفضل دائرة حكومية في خدمة المواطن لعام 1428 هـ ؟؟
البلدية
الاحوال المدنيه
مكتب العمل والعمال
الضمان الاجتماعي
الشؤون الصحيه
المرور
الجوازات
نتائج التصويت
هاك آخر الصور
:: -« sitemap - الأرشيف »-:: -« مراسلة الإداره »-

Powered by MSHAER.COM MAGIC BLOCKS Version 1.1
منتديات عرعر ,شبكة عرعر, صور عرعر,مركز تحميل عرعر,مقالات عرعر,ديوان شعري عرعر,مسجات عرعر, بوابة عرعر,مقناص عرعر  ، شات عرعر ، ساحات عرعر ، اخبار عرعر
تركيب وتطوير : عبدالمجيد العنزي

جميع الحقوق محفوظة لمنتديات عرعر كول

شبكة مشاعر للأستضافه والتصميم والتطوير